اليونانيون في شمال أفريقيا

تاريخ قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة شيماء ايت مخلوف

تأسست مدينة قورينة في عام 631 قبل الميلاد، من طرف مستعمرين يونان، تنحدر أصولهم من جزيرة ثيرا ( سانتوريني). غير بعيد عن هذه الفترة، ستشكل كل من قورينائية و باقي المدن الاخرى اليونانية المجاورة فيما بعد بينتابوليس. و كانت هذه المنطقة خاضعة للتأثير اليوناني خلال كل العصور القديمة. و عليه، يأتي هذا المقال ملخص كملخص مقالاتنا حول تاريخ اليونانيون من قورينة، و من تأسيس قورينة (شحات حاليا) إلى بروز الإمبراطورية الرومانية.

وقد أصبح باتوس، باعتباره زعيم مجموعة من المستعمرين اليونان المؤسسين للمدينة، أول ملك قورينة، و حكمت سلالته، سلالة الباتياد، لمدة قرنين من الزمن.

وفي سنة 525، اجتاحت الإمبراطورية الفارسية مصر، وتحالف ملك القورينة مع الفرس، و الذين استغلوا الصراعات على السلطة المحلية بغية التحكم في المنطقة.

في سنة 462، فاز الملك أركسيلاوس الرابع ملك قورينة بسباق العربات في الألعاب البيثية بمدينة دلفي، مستخدمًا فريقًا من الخيول الليبية.

حوالي سنة 460، دعم اليونانيون من الحلف الديلي ثورة الزعيم الليبي إيناروس، المنحدر من سلالة الفراعنة القدماء، ضد الفرس. وبعد هزيمته، لجأ آخر الناجين من جيشه إلى قورينة.

أصبحت قورينة جمهورية سنة 440 بعد اغتيال آخر ملوكها. وفي النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، تفوقت باركي على قورينة وأصبحت المدينة الأكثر نفوذًا في المنطقة.

في سنة 414، وأثناء حرب البيلوبونيز، أُجبر القائد الإسبرطي غيلِبّوس، وهو في طريقه إلى صقلية، على الانحراف نحو السواحل الليبية بسبب رياح معاكسة. وعندما وصل إلى قورينائية، حرّر مدينة يوهسبريدس (بنغازي) التي كانت محاصرة من قِبل قبائل أمازيغية ليبية. وامتنانًا له، زوّدته قورينة بسفن أرشدته في طريقه إلى صقلية.

خلال القرن الخامس، تنافست برقة مع قرطاج على السيطرس على سرت وطرق التجارة عبر الصحراء الكبرى التي كانت تنتهي هناك. كانت حدودهما محددة عند منطقة فيلاينوروم. غربًا، كانت الحدود بين برقة ومصر عند سلوم.

في أواخر القرن الخامس، استولى شخص يُدعى أريستون على السلطة في قورينة، وقَتَلَ خمسمائة من أبرز مواطنيها. ولعله كان يريد إقامة ديمقراطية على النموذج الأثيني.

في سنة 399، لجأ نحو ثلاثة آلاف مِسيني، طردهم الإسبرطيون من عاصمتهم ناوبكتوس، إلى مدينة يوهسبريدس (بنغازي).

استطاعت مصر التحرر من الإمبراطورية الفارسية من 343 إلى 404، خلال الأسر الفرعونية 28،29، 30. وقد تكون قورينة قد حصلت على استقلالها، لكننا نجهل تاريخها خلال هذه الفترة، ليستعيدها الفرس في عام 343.

حوالي سنة 350، شيّدت قورينة خزانة (مبنى خزينة) في مدينة دلفي.

في عام 332، استولى الاسكندر الأكبر على مصر، وسعد يونانيو قورينة لرؤية ملك يوناني يطمح للم شمل كل اليونانيين ويخضعون له.

بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام عام 323، قسمت امبراطوريته بين جنرالاته. وأعادت مدنُ قورينائية حينها تأكيدَ استقلالها.

بعد وقت قصير من وفاة الإسكندر الأكبر، يحاول المرتزق الأسبرطي ثيبرون السيطرة على قورينة. لتصبح قورينائية فيما بعد جزءا لا يتجزأ من مصر البطلمية، مع تمتعها بقدر كبير من الحكم الذاتي تحت ولاية الحاكم أوفيلاس.

حوالي عام 320، أثناء المجاعة في اليونان، أرسلت قورينا 40 مليون لتر من القمح إلى العائلة المالكة المقدونية والمدن اليونانية.

وستقوم في فترة وجيزة مملكة مستقلة عن قورينائية على يد ماجاس القوريني، لكنها لن تدوم.

بعد وفاة ماجاس القوريني، تزوّجت ابنته برنيكي من بطلميوس الثالث إيرغيتيس وأصبحت ملكة مصر. وأُعيدت تسمية مدينة يوهسبريدس (بنغازي) لتصبح برنيكي تكريمًا لها. كما أسّس بطلميوس الثالث مدينة جديدة في قورينائية تُدعى بطلميس، وجعلها مقرًا لحاكمه.

في سنة 163، حكم بطلميوس الثامن فيسكون قورينائية بصفته تابعًا لأخيه بطلميوس السادس فيلوماتور، بعدما طُرد من مصر. ثم أُعيد إلى العرش المصري سنة 145.

في سنة 105، أُعلن بطلميوس أبّيون، ابن بطلميوس الثامن، ملكًا على قورينائية. وبعد وفاته سنة 96 قبل الميلاد، و وورثت قورينائية للجمهورية الرومانية بحكم أنه لم يكن له وريث. وستنتمي فيما بعد للإمبراطورية الرومانية منذ تأسيسها.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية, اليونانيون في شمال أفريقيا

مساليا : منافسة قرطاجة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة شيماء ايت مخلوف

تعتبر مساليا مستعمرة يونانية تقع جنوب غال، تأسست في القرن السادس قبل الميلاد، توسعت المدينة شيئا فشيئا و شهدت إنشاء عدة مراكز تجارية في بلد الغال، اسبانيا، و كورسيكا و ليغوريا. منذ تأسيسها، دخلت مساليا في صراع مع قرطاجة، التي كانت تخشى تهديد المدينة اليونانية لهيمنتها في حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي. وعلى مدى القرون التي تلت هذا العصر، ستشكل ماساليا الميناء الرئيسي في المنطقة، والمنافس المهم لقرطاجة.

مرحلة التأسيس

أطلال فوكايا، مسقط رأس مؤسسي مساليا

تأسست مدينة ماساليا من قبل مجموعة من التجار اليونانيين الذين تنحدر أصولهم من مدينة فوكاي” ( غرب تركيا الحالية) قرابة عام 600 قبل الميلاد. وخلال العقود التالية، تأسست ثلاث مستعمرات أخرى انطلاقا من ماساليا و تشمل: امبريون في مقاطعة جيرون الاسبانية، هيمروسكوبيون في مقاطقة أليكانتي الإسبانية، و ألاليا في كورسيكا. وفي عام 545، بعد غزو فوكايا من طرف الفرس، انضم فوج جديد من المستعمرات إلى مساليا و المستعمرات الفوكية الأخرى. وعند نهاية القرن السادس ميلادي، كانت مساليا مركزا تجاريا مؤثرا يسيطر على المنطقة المحيطة به.

يورد الفيلسوف اليوناني أرسطو أسطورة تتعلق بتأسيس ماساليا ، وفقا لهذه الأخيرة، كان زعيم أول المستعمرين يوكسين ( أو بروتيس حسب المصادر) ضيفا لنانوس، ملك قبيلة سلتية المحلية، في الوقت الذي كان من المقرر أن يحتفل فيه الملك بزواج ابنته بيتا ( أو جيستيس)، ووفقا للعادة، قام الملك بتنظيم حفل، حيث يتعين على الفتاة أن تقدم كأسا ن النبيذ إلى الرجل الذي ترغب بالزواج به، و عندما قدمت الكأس إلى يوكسين ، وافق الملك على الزواج، و بذلك يختم الاتحاد بين السكان الأوائل للمنطقة و الوافدين الجدد.

الصراع مع قرطاجة

أثار ظهور ماسيليا قلق قرطاج، لاسيما بعد تأسيس المستعمرات في إسبانيا، حيث شكل الوجود اليوناني تهديدا للطرف التجارية القرطاجية.

خلال عام 540، تحالف القرطاج مع الاتروسكان شمال إيطاليا، لمهاجمة مدينة ألاليا الفوكية في كورسيكا. لترسل ماسيليا حوالي أربعين سفينة لإنقاذ المدينة، فاشتبك الأسطولان البحريان في معركة العلاليا. وهزم الفوكيون وأجبروا عن التخلي عن علاليا التي أصبحت تحت السيطرة القرطاجية. وبالرغم من ذلك، سيسترجعون قوتهم بعد هذه الهزيمة على المدى البعيد، حيث سيعترف بسيطرتهم على سواحل الغال من إمبريون إلى ليغوريا.

ذروة ماساليا

قطعة نقدية من مساليا

خلال القرون التي تلت هذه الفترة، غدا ميناء مساليا الأكبر في حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي بعد قرطاجة. أسس القرطاج مراكز في أغاثا، أولببيا، ترونتيوم، أنتيبوليس، و نيكايا.

و قد أشيد بدستور ماساليا في جميع الأقطار اليونانية كنموذج للاستقرار السياسي، كانت المدينة أوليغاركية: يتكون المجلس من 600 عضو، و يتم اختيار 15 عضوا من الأوائل لإدارة المدينة، ثلاث منهم هم الأكثرو.

شكلت ماسيليا واجهة ثقافية تربط العالم اليوناني بالغال، وتحت تأثيرها، تعلم الغاليون كتابة لغتهم بالأبجدية اليونانية.

كانت ماساليا أيضا مدينة المستكشفين أمثال ايثيمنيوس الذي سافر أواخر القرن السادس إلى سواحل افريقيا، وصولا إلى ما وراء السنغال، و بيثياس الذي سافر في القرن الرابع إلى بريطانيا ثم استكشف بحر البلطيق و السواحل الاسكندنافية. فقد سلك هؤلاء البحارة اليونان نفس الطريق التي المستكشفون القرطاجيون، ومن المحتمل أنهم تجاوزا مسافتهم.

خلال الحروب البونكية، كانت ماساليا حليفا مخلصا لروما، وساهم انسحاب القرطاج من إسبانيا خلال الحرب البونكية الثانية في توسيع نفوذها.

مساليا في العهد الروماني

بقايا ميناء ماساليا

بين عامي 121 و125، ضمت روما معظم المناطق الداخلية لمساليا عبر سلسلة من الحملات العسكرية، و أصبحت المنطقة مقاطعة رومانية في الغال، لتغدو مدينة مساليا نفسها العميلة روما.

أثناء الحرب الأهلية الرومانية (49-45)، بين قيصر و بومبي، استضافت ماساليا، التي كانت تتخذ رسميا وضعا محايدا، أسطول بومبي. وللانتقام من ذلك، حاصر قيصر المدينة، و طلب منها الخضوع لروما.

ستشهد مساليا تطورا ملحوظا في العصر الروماني، مع إعادة بناء منتداها و بناء مسرح و حمامات، و لعل الأهم من ذلك، توسيع مينائها ليصبح واحدا من أكبر الموانئ في الإمبراطورية.

من المحتمل أن المسيحية دخلت بلاد الغال عبر مساليا: أول مهمة مسيحية موثقة كانت من لوجدونوم (ليون)، عاصمة بلاد الغال الرومانية، حوالي عام 175، ولكن ليس فقط هؤلاء المسيحيين من آسيا الصغرى، وصلوا بالتأكيد بالقوارب عبر ماساليا، لكنه وصل إلى بلاد الغال عبر مساليا. ربما كان قبلهم أيضًا مجتمع مسيحي في مساليا.

مدينة فوكيا اليوم

زين الدين زيدان

في عصرنا الراهن، تحتل مارسيليا المرتبة الثانية بين أكبر مدن فرنسا. خلال القرن العشرين، مكنها موقعها الاستراتيجي من أن تصبح الميناء التجاري مع الإمبراطورية الاستعمارية، وهذا الاحتكار تقوضه نهاية الاستعمار. بعد استقلال الجزائر عام 1962، استقر العديد من فرنسيي ” الاقدام السود” (بيي نوار) الذين عادوا من الجزائر في مرسيليا. و في نفس الوقت، و بفضل هذه الحقبة التاريخية، فإن المدينة تعج بمن ينحدرون من الشمال الافريقي، بما في ذلك أشهر فرنسي من أصل افريقي (شمال افريقيا): نجم كرة القدم زين الدين زيدان ، الذي ولد في 23 يونيو 1972 بمرسيليا ، و بطل العالم في عام 1998.

اليونانيون في شمال أفريقيا

الأمازونيات الليبيات، بين الأسطورة والتاريخ

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة شيماء ايت مخلوف

الأمازونيات شعب مكون من نساء محاربات، أولات قوة وبأس، موهوبات في ركوب الخيل والقتال مثل الرجال. وقد كان مجتمعا نسويا برمته: لم يلتقوا بالرجال إلا نادرا، وذلك من أجل التكاثر، ثم يربون بناتهم وفقا لأعرافهم، وبالمقابل يقتلون الذكور. وتجدر الإشارة إلى أن سيرة الأمازونيات تظهر جليا في العديد من الأساطير اليونانية، كأعمال هرقل، والأرغونوتيك والإلياذة. ونميز بين مجموعتين رئيسيتين لشعب الأمازونيات: مجموعة تعيش في ليبيا، والأخرى في آسيا الصغرى. في هذا المقال، سنكتشف أساطير الأمازونيات الليبيات، بالإضافة إلى جذورها التاريخية.

أصول

 حسب الأسطورة، فإن الملكة الأولى للأمازون “أوتريري” كانت على علاقة بإله الحرب “أريس”، و قد أصبحت بناتهما “هيبوليت” و “بانتيسيليا” أعظم ملكتين في مجتمع الأمازونيات.

وتجدر الإشارة إلى أن اسم الأمازونيات لا يعود لأصل اغريقي، إذ أن تسمية شعبية اغريقية جعلته مشتقا من كلمة “أمازوس” (ἀμαζός) و التي تعني “عديم الصدر”، ذلك بأنه كان يشاع أن الأمازونيات يقطعن أو يكوين الثدي الأيمن، حتى تتمكنن من استخدام القوس بشكل أفضل، غير أن هذه الفكرة خاطئة: ففي جميع التمثيلات الأكثر قدما للأمازونيات، نراهن بالثديين معا (غالبا أحدهما مغطى و الآخر مكشوف). والأصل الذي يمكن اعتباره الأكثر منطقية للاسم هو مصطلح “همزان” الفارسي، والذي يعني “المحاربات”.

في ضوء الأسطورة

كانت إحدى مهام “هرقل” الاثنا عشر السيطرة على حزام “هيبوليتا” ملكة الأمازونيات، إذ أن سرقة الحزام رمز واضح على أخذ العذرية: يجب على “هرقل” أن يصل جنسيا إلى ملكة الأمازونيات، المرأة التي لا يمكن للرجال الوصول إليها.

وفقا للرواية الأكثر شيوعا عن هذه الأسطورة، أعجبت “هيبوليتا” كثيرا ب”هرقل” لدرجة أنها وافقت في البداية على إعطائه حزامها طوعا، لكن الأمازونيات هاجموا سفينته ظنا منهن أنه يريد اختطاف ملكتهن. لذا، فقد ظن هو الآخر أنه تعرض للخيانة، ما جعله يقتل “هيبوليتا” ويأخذ حزامها بعد أن كانت ميتة بالفعل.

وحسب أسطورة أخرى، فقد اختطفت “هيبلوليتا” من طرف “ثيزيوس”، ملك أثينا، والذي أجبرها على الزواج به وأنجب ابنا منها. وقد غزت الأمازونيات فيما بعد اليونان من أجل تحرير ملكتهم. ونجد رواية لاحقة، تزاوج بين الأسطورتين معا في هذا الصدد، إذ تقول إن “أونتيوب” شقيقة “هيبوليتا” هي التي اختطفت.

لاحقا، شاركت أخت “هيبوليتا” ” بانتيسيليا ” التي خلفتها في العرش في حرب الطروادة إلى جانب الطرواديين، وقد قتلت من قبل “أخيل”، أكبر محارب يوناني في قتال فردي. وبعد وفاتها، رأى أخيل جمالها، فشعر بالندامة على قتلها.

عاشت الأمازونيات الليبيات في جزيرة هيسبيرا في بحيرة تريتون (ربما كانت الشط الجريد في تونس الحالية)، وكانت ملكتهم تدعى “ميرينا”، تذكر الالياذة قبرها بالقرب من مدينة طروادة، وهذا ما يخلق مشكلة في التسلسل الزمني: فإذا كانت “ميرينا” قد توفيت و دفنت بالفعل في وقت حرب طروادة، فيجب أن تكون قد عاشت قبل “بانتيسيلا” بكثير، و التي شاركت في هذه الحرب.

إعادة تفسير التاريخ

في وقت لاحق، حاول الكتاب اليونانيون إعادة تفسير الأساطير القديمة لإعطائها أصلًا تاريخيًا. بناءً على مشكلة التسلسل الزمني المذكورة آنفا، رأوا أن الأمازونيات الليبيات كانوا أقدم من تلك الموجودة في آسيا الصغرى، وربما كانت حتى أسلافها.

من بين هؤلاء الكتاب، نجد ديودور من صقلية، و الذي يقدم وصفا مفصلا عن مجتمع الأمازونيات: إنه مجتمع أموي، الحياة العامة ملك النساء، بينما يتكلف الرجال بالشؤون المنزلية. وتقوم النساء الخدمة العسكرية لعدة سنوات، وخلال هذه الفترة يجب أن يبقين عذارى، بعد ذلك يتزوجن وينجبن أطفالا، يتكلف بهم الرجال، وتكوى ثديي الفتيات الصغيرات منذ الطفولة، لمنع نموهن. وبالنسبة للنساء اللواتي أنهين خدمتهم العسكرية فيمكنهن شغل مناصب حكومية، في حين، يقضي الرجال جل حياتهم في المنزل، حيث تناط بهم مهام منزلية و تربية الأطفال، و يشكل هذا الوصف عكسا للأدوار الذكورية و الأنثوية في المجتمع اليوناني.

و حسب الكاتب نفسه، قادت ميرينا، ملكة الأمازونيات الليبييات، حملة عسكرية، أولاً في ليبيا، ضد شعوب أخرى للمنطقة. ثم بعد عقد معاهدة سلام مع مصر، غزت سوريا وشبه الجزيرة العربية وكيليكيا، ثم غزت آسيا الصغرى، حيث بنت عدة مدن. هُزمت أخيراً وقُتلت على يد موبسوس ابن ملك تراقيا.

إن رواية ديودوروس الصقلي ليست تاريخية بحتة: فهو يسعى إلى تقديم إعادة تفسير تاريخي للأساطير اليونانية القديمة.

أصول تاريخية

على الرغم من أنه بالتأكيد لم يشهد تاريخ الحضارات حضارة نسائية بالكامل، إلا أن أسطورة الأمازون ربما مستوحاة من النساء المحاربات من شعوب أخرى، والتي التقى بها اليونانيون في المعركة، فقد كان للسكيثيات ، على وجه الخصوص، نساء محاربات على ظهر الخيل.

وفي ليبيا، شاركت نساء بعض القبائل الأمازيغية في القتال، ففي قبيلة ماتشليس على وجه التحديد، كانت النساء تقدن المركبات الحرب، فحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت، فقد كانت نساء ماتشلييس تواجهن كل عام نساء قبيلة مجاورة في معارك طقوسية بالعصي والحجارة، و قد كانت مثل هذه المعارك قائمة حتى بداية القرن العشرين، بين نساء بعض القبائل الأمازيغية.

عند الأمازيغ، يمكن أن تكون المرأة زعيمة قبيلة أو تحالف قبلي، ولعل أشهر مثال على ذلك هو ديهيا (الكاهنة) الشهيرة، ملكة الأوريس، التي قادت المقاومة ضد الفاتحين العرب، وما زلنا نجد هذا التقليد الأمومي حاضرا اليوم، بين طوارق الصحراء الكبرى.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية, الفينيقيون في شمال إفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

طرابلس، من الفينيقيين إلى الرومان

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة شيماء ايت مخلوف

في الوقت الذي كانت فيه منطقة قورينائية القديم جزءا لا يتجزأ من العالم اليوناني، فقد شهدت المنطقة الواقعة في الغرب المجاورة لقرطاجة ظهور عدة مستعمرات فينيقية، قبل أن تجد نفسها في صلب الصراع على النفوذ بين اليونانيين والفينيقيين/ القرطاجيين في افريقيا. سنكتشف في هذا المقال نبذة عن المستعمرات الفينيقية غرب ليبيا الحالية.

(مصدر) لبدة الكبرى

لبدة الكبرى وطرابلس الأصلية

في العصور القديمة، وتحديدا في العصر الممتد من القرن السادس إلى السابع، أسس التجار الفينيقيون ثلاث مستعمرات على السواحل الليبية، لبدة (الخمس)، أويات (طرابلس) وصبراتة. وقد حاول أمير إسبرطة دوريوس سنة 515 إقامة مستعمرة يونانية في المنطقة لكن صده فينيقيين في طرابلس، ثم غزا يونانيين في قورينائية مدينة أويات وأطلقوا عليها اسم أويا، ليستولي عليها القرطاجيون بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدن الثلاث جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية القرطاجية، وأضحت لبدة، التي تسمى حاليا لبدة الكبرى لتمييزها عن لبدة الصغرى (لمطة في تونس)، الميناء الشرقي الرئيسي لقرطاجة.

بعد الحروب البونيقية، تم ضم المنطقة من قبل ماسينيسا ملك نوميديا. لتنتقل لبدة الكبرى إلى جانب الرومان خلال حرب يوغرطة ضد الروم، ما مكنها من الحصول على وضع المدينة الحرة لما سيطرت روما على المنطقة بعد هزيمة يوغرطة.

في العصر الروماني، شكلت المنطقة الجزء الأول من إقليم افريقيا، وفي بداية القرن الثالث الميلادي، بدأت تعرف باسم “تريبوليتانيا” (طرابلس) نسبة إلى مدنها الثلاث (تري بوليس)، وقد جعلها الامبراطور الروماني سيبتيميوس سيفيروس (193-211)، المولود في لبدة الكبرى، منطقة مستقلة بذاتها.

تحت تأثير قرطاجة، غدت طرابلس واحدة من أقوى المناطق المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، وتظهر أسماء أساقفة لبدة الكبرى وأويا وصبراتة في قائمة المشاركين في العديد من المجالس الجهوية المنظمة بقرطاجة.

بدأت منطقة طرابلس الرومانية في التراجع منذ القرن الخامس، وتم التخلي عمليا عن عاصمتها لبدة الكبرى عندما فتح العرب المدينة، والذين جعلوا من أويا، التي أطلقوا عليها اسم طرابلس، مثل المنطقة نفسها، العاصمة الإقليمية الجديدة.

ما وراء لبدة الكبرى

كانت السواحل الليبية من لبدة الكبرى إلى قورينة محط خشية البحارة بشكل خاص، نظرا لوجود حواجز رملية متحركة، يطلق عليها اسم السيرت، والتي كانت تعيق السفن، وقد ميز علماء الجغرافيا القدامى بين سرت الكبرى (خليج سرت)، وسرت الصغرى (خليج قابس). ولهذا السبب، لم تكن هناك مدينة ساحلية مهمة بين لبدة الكبرى وقورينة.

ومع ذلك، فقد كان هناك مركز تجاري من أصل فينيقي، وقد عرف في العصر الروماني باسم ثوباكتس، على مستوى مدينة مصراتة الحالية. وتجدر الإشارة إلى أنه لم يبق أي أثر للمدينة القديمة حتى يومنا هذا، فضلا عن الجدل القائم حول موقعها بالتحديد: فقد كانت تقع إما في الشرق، أو الغرب، أو جنوب واحة مصراتة، وبالنسبة للمدينة الحالية فقد بناها العرب.

إلى جانب ذلك، نجد مدينة فينيقية هي الأخرى لم يبق لها أثر، وهي ماكوميديس-إيوفرانتا، التي كانت توجد في موقع مدينة سارت الحالية. قد عرفت المنطقة بخطورتها، فقد كانت مرتعا للصوص على اليابسة والقراصنة في البحر. ونظرا لعزلتها، فهي منطقة في افريقيا، حيث كان يتم التحدث باللغة البونيقية، لغة الإمبراطورية القرطاجية السابقة، واستخدامها حتى القرن الخامس. قد شكلت صحراء وسط ليبيا، التي كان من المستحيل عبورها برا قبل إدخال الجمال إلى شمال افريقيا، رسما للحدود بين الفينيقيين/القرطاجيين واليونانيون في قورينة.

كانت منطقة وسط ليبيا مأهولة بالسكان منذ العصر الروماني، حيث بنى الرومان مدينة قورنيكلانوم في موقع مدينة أجدابيا الحديثة. وقد تم اختيار هذا الموقع بسبب احتياطياته من المياه الصالحة للشرب، وأصبح نقطة انطلاق مهمة على الطريق من طرابلس إلى قورينائية.