شمال إفريقيا الرومانية

تاكفاريناس وإيديمون الثورات الأمازيغية ضد الاحتلال الروماني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

بينما تقبّل سكان المدن الكبرى في شمال إفريقيا التطورات الناجمة عن الرومنة، ظلت القبائل الأمازيغية رافضةً للاحتلال الروماني وكانت تنتفض بشكل مستمر. في سنة 17 ميلادية، قاد تاكفاريناس، وهو جندي سابق في الجيش الروماني، انتفاضة ضد الاستعمار الروماني في شمال إفريقيا. وبعد اغتيال الملك بطليموس الموريطاني، ثار إيديمون، وهو عبد محرر كان في خدمة بطليموس، على ضم مملكة موريتانيا إلى الإمبراطورية الرومانية.

انتفاضةتاكفاريناس

ينتمي تاكفاريناس، الذي ولد في تاغاست (سوق أهراس حاليًا) إلى قبيلة الموسالميين الجيتولية، التي كانت تستوطن منطقة الشطوط (الجزائر وتونس). بعد خدمته كجندي في الجيش الروماني، انشق عن الجيش وانضم إلى قبيلته الموسالمية، حيث تزعم مجموعة من المقاتلين وشنّ عدة هجمات على مناطق سيطرة روما. واستفاد من خبرته العسكرية في تنظيم رجاله وتحويلهم إلى قوة عسكرية فعالة، لدرجة أن قبيلته انتخبته زعيمًا لهم.

تاكفاريناس وحلفاؤه: المور، الموسالميين، السينيتيين، والجرمانتيين (مصدر)

في سنة 17 ميلادية، قاد تكفاريناس واحدة من أكبر الثورات في تاريخ شمال إفريقيا ضد الاستعمار الروماني. تحالف مع الزعيم الموري مازيفا، الذي يُعتقد أنه كان في صراع مع الملك يوبا الثاني، كما انضم إليه أفراد من قبيلة السينيت التي كانت تقطن جنوب تونس، إلى جانب دعم الجرمانتيين. لم تذكر المصادر التاريخية أسباب هذاه الثورة، لكن يبدو أن سيطرة روما على المراعي التقليدية للرحّل كانت الشرارة التي أشعلت فتيل التمرد. 

بالنسبة للرومان، لم يكن هذا مجرد سلسلة من الغارات المعتادة على الحدود، بل شكل تهديدًا استراتيجيًا خطيرًا، إذ فاقت قوات حلفاء تاكفاريناس القوات الرومانية عددًا. ومع ذلك، اعتمد الرومان على تفوقهم العسكري، مما ألحق خسائر جسيمة بتاكفاريناس، ليضطر في النهاية إلى الفرار مع ما تبقى من جنوده نحو الصحراء.

شاهدة جنائزية لجندي روماني

لم تنتهِ ثورة تكفاريناس عند هذا الحد، إذ أدرك أنه لا يستطيع الصمود أمام الجيش الروماني في مواجهة مباشرة، فلجأ إلى استخدام تكتيكات حرب العصابات. استغل معرفته الجيدة بالمنطقة، مستفيدًا من أساليب القتال التي أتقنتها القبائل الأمازيغية منذ العصور القديمة. كان رجاله يشنون هجمات مباغتة ثم يختفون في الجبال أو الصحراء.

حصل الجيش الروماني على دعم الملك يوبا الثاني وابنه بطليموس، اللذين قدما مساعدات عسكرية ولوجستية لروما. لكن الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت لها أبعاد اقتصادية أيضًا، إذ أدت هجمات الثوار إلى اضطراب الإنتاج الزراعي في مناطق سيطرة الرومان، مما تسبب في ارتفاع حاد لأسعار القمح في روما.

بعد سنوات من الثورة، أرسل تكفاريناس مبعوثين إلى روما لعرض اتفاق سلام مقابل منح أراضٍ لأنصاره، لكن الإمبراطور تيبيريوس رفض التفاوض معه واعتبره خائناً ولصاً.

في محاولة لإنهاء هذه الانتفاضة، أرسل الرومان القائد المحنك كوينتوس يونيوس بلايسوس، الذي تمكّن خلال ثلاث سنوات من تحقيق عدة انتصارات مستفيدًا من الوحدات المتنقلة الجديدة، مما مكّنهم من مطاردة الثوار في كل مكان. كانت تكمن قوة تاكفاريناس في استمرار انضمام جنود جدد إلى جيشه، أغلبهم من قبائل الصحراء.

عام 24 ميلادية، حاصر الحصن الروماني في ثوبورسيكوم، ويعتبر موقع هذا الحصن محل جدل، إذ يُرجّح البعض أنه خميسة في الجزائر أو تبورزوك في تونس. لكن جيشه هُزم من قبل قوات المشاة الرومانية، مما اضطره إلى الفرار نحو موريتانيا. طلب الرومان من الملك بطليموس المساعدة في القبض عليه، لينتهي به المطاف في معسكره الأخير في أوزيا، والتي تُعرف اليوم بسور الغزلان في الجزائر. شن الرومان هجوما عليه وذبحوه رفقة أتباعه، مما شكل نهاية للثورة.

ثورةإيديمون

بطليموس موريتاني

كان إيديمون عبدًا منزليًا بطليموس، آخر ملوك موريتانيا، ونال حريته مكافأة على إخلاصه. اغتيل بطليموس عام 40 ميلاديًا أثناء زيارته لروما، بأمر من الإمبراطور كاليغولا، الذي رأى فيه منافسًا محتملًا. فتح موته الباب أمام ضم موريتانيا إلى الإمبراطورية الرومانية.

اغتيال بطليموس أدى إلى انتفاضة إيديمون ضد روما انتقامًا لسيده، لكن ثورة إيديمون لم تحظَ بنفس التأييد الشعبي الذي لقيته انتفاضة تكفاريناس، إذ تشير نقوش وليلي إلى أن أغلب سكان المدينة قاتلوا ضده. ومع ذلك، حصل على دعم بعض قادة القبائل المورية، مثل سابالوس، في حين انحاز بعض القادة المتأثرين بالثقافة الرومانية إلى جانب روما، أبرزهم لوسيوس كويتوس.

بعد اغتيال كاليغولا سنة 41 ميلادية، أرسل الإمبراطور كلوديوس جيشين بقيادة الجنرالين بولينوس وجيتا لإخماد الثورة. نجح بولينوس في أن يصبح أول روماني يعبر جبال الأطلس، وخاض الجيش الروماني مواجهات دامية مع الثوار، مما أدى إلى دمار جزئي في مدينة تنجيس (طنجة). كما اندلعت معارك أخرى في مدن وليلي وليكسوس (العرائش)، وتمودا (تطوان).

بعد أربع سنوات، انتهت الثورة في عام 44 بانتصار روماني حاسم، حيث استسلم سابالوس ورجاله. يذكر المؤرخ الروماني ديون كاسيوس أن استسلام سابالوس جاء بعد أن شاهد الجنرال الروماني جيتا يستخدم طقوسًا أمازيغية تقليدية لجلب المطر، مما دفعه للاعتقاد بأن خصمه يمتلك قوى خارقة. يبقى مصير سابالوس وأيديمون مجهولًا.

بعد هذه الثورة، تم تقسيم موريطانيا إلى مقاطعتين رومانيتين: موريتانيا القيصرية وموريتانيا الطنجية.

الثورات الأمازيغية الأخرى

تعد ثورة تاكفاريناس وإيديمون الأكثر شهرة، ولكنها ليست الثورات الأمازيغية الوحيدة ضد الرومان، إذ قام الرومان بإنشاء مقاطعة عسكرية خاصة في جنوب نوميديا، عاصمتها لامبيز (تازولت)، من أجل محاربة هذه الثورات.

لوسيوس كويتوس وفرسانه

في عام 118 م، أمر الإمبراطور هادريان بإعدام الجنرال ذي الأصل الموري لوسيوس كويتوس (ابن لوسيوس كويتوس الذي قمع ثورة إيديمون). أثارت وفاته تمرداً في موريتانيا، حيث كان يتمتع بشعبية كبيرة. أرسل هادريان رجله الموثوق به، الجنرال كوينتوس مارسيوس توربو، لإخماد الثورة.

حدثت انتفاضات أخرى في عهد الإمبراطور أنطونيوس (138-161). في عهد ابنه ماركوس أوريليوس (161-180)، شن الموريون من موريتانيا الطنجية غارات في إسبانيا. استقر الوضع إلى حد ما في عهد الأسرة الإمبراطورية السيفيرية، ذات الأصل الأمازيغي. قرب نهاية القرن الثالث، اضطرت روما مرة أخرى لمواجهة العديد من الثورات، بقيادة البابار، وهو اتحاد أمازيغي من موريتانيا القيصرية.

لمعرفة المزيد

رأي واحد حول “تاكفاريناس وإيديمون الثورات الأمازيغية ضد الاحتلال الروماني”

اترك تعليقاً