البيزنطيون في شمال أفريقيا

جونيلوس الأفريقي: أحد أبناء شمال أفريقيا في القسطنطينية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

بعد استعادة البيزنطيين لشمال أفريقيا، انتقل كثير من الشباب المتعلمين من أبناء المنطقة إلى القسطنطينية للالتحاق بالإدارة البيزنطية. وكان جونيلوس أفريكانوس، وهو رجل قانون من أصل شمال أفريقي، قد أصبح المستشار القانوني الرئيسي للإمبراطور جستينيان. وبصفته قسطر القصر المقدس، المسؤول عن صياغة القوانين، كان من أكثر الشخصيات نفوذاً في الإمبراطورية.

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة جونيلوس أفريكانوس

وُلد جونيلوس أفريكانوس في شمال أفريقيا خلال فترة الحكم الوندالي. ولا يُعرف مكان ولادته بالتحديد. ونشأ في سياق اتسم بالتوتر بين السكان الأصليين لشمال أفريقيا، الناطقين باللغة اللاتينية والمعتنقين للمسيحية الكاثوليكية، والغزاة الوندال الذين أرادوا فرض مذهبهم الآريوسي. وكان يعرف فولجانس دي روسبي، كما تشهد على ذلك المراسلات المتبادلة بين الأسقف وإحدى النساء من عائلته.

لا نعرف شيئاً عن تعليمه، لكنه درس على الأرجح القانون والبلاغة، وربما في قرطاج. كما كان واسع الاطلاع على اللاهوت المسيحي.

بعد استعادة البيزنطيين لشمال أفريقيا، غادر موطنه الأصلي ليشق طريقه المهني في القسطنطينية. وفي العاصمة الإمبراطورية، لفت انتباه الإمبراطور جستينيان، الذي قدّر موهبته. وفي الوقت نفسه، تعرّف على التقليد المسيحي الشرقي، الذي كان قليل المعرفة به في الغرب، مما أتاح له تعميق فكره اللاهوتي الخاص. وقد تأثر بوجه خاص بالأسقف واللاهوتي ثيودور المصيصي.

شارات منصب «قسطر القصر المقدس»

في عام 542، عُيّن في منصب «قسطر القصر المقدس»، وهو منصب مرموق جعله المستشار القانوني الرئيسي للإمبراطور، والمسؤول عن صياغة القوانين. وشغل هذا المنصب حتى وفاته عام 549. وقد تزامنت فترة توليه المنصب مع استعادة أراضٍ واسعة، وإجراء إصلاحات إدارية مهمة، واندلاع خلافات دينية، مثل قضية «الفصول الثلاثة».

كتب المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيصري أن جونيلوس أفريكانوس كان ضليعاً جداً في الآداب اللاتينية، لكنه كان يتحدث اليونانية، وهي اللغة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية، بضعف شديد، مما كان يسبب له مشكلات في أداء مهامه. كما وصفه بروكوبيوس بأنه رجل جشع وفاسد، يتاجر بالمراسيم الإمبراطورية. غير أن هذا الوصف لا ينبغي أخذه بحرفيته، إذ إنه يعكس عداء النخبة البيزنطية تجاه وافد جديد من أصل إقليمي أكثر مما يعكس الحقيقة التاريخية.

وعلى الرغم من مسؤولياته، حافظ جونيلوس أفريكانوس على اهتمام كبير باللاهوت. بل إنه ألّف رسالة لاهوتية أهداها إلى الأسقف بريماسيوس من هدروميتوم (سوسة)، الذي التقى به عام 542، أثناء زيارة وفد من أساقفة شمال أفريقيا إلى القسطنطينية. وخلال هذا اللقاء، أعجب بريماسيوس بإلمام جونيلوس أفريكانوس بالفكر المسيحي اليوناني، فسأله عن رأيه في أعظم لاهوتيي الشرق. فأجابه جونيلوس أفريكانوس بأنه بولس الفارسي، وهو لاهوتي سرياني ينتمي إلى مدرسة نصيبين، وكان مقيماً في بلاط الإمبراطور الفارسي. عندئذ، طلب منه بريماسيوس أن يؤلف كتاباً باللغة اللاتينية للتعريف بهذا اللاهوتي في الغرب.

كانت رسالة جونيلوس أفريكانوس اللاهوتية ترجمةً تكييفيةً لعمل بولس الفارسي في تفسير الكتاب المقدس. ويوضح المؤلف أنه حضر بنفسه درساً مميزاً ألقاه بولس الفارسي حول رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، وأنه دوّن ملاحظات دقيقة خلاله، لكن أعباء عمله لم تسمح له بترتيبها. ومن المرجح أنه حضر هذا الدرس قبل تعيينه في منصب قسطر القصر المقدس. وقد أسهم كتاب جونيلوس أفريكانوس، الذي روّج له لاحقاً كاسيودوروس، الذي التقى جونيلوس أفريكانوس في القسطنطينية، إسهاماً كبيراً في تعريف اللاهوتيين الغربيين بالفكر اللاهوتي الشرقي.

رأيان حول “جونيلوس الأفريقي: أحد أبناء شمال أفريقيا في القسطنطينية”

اترك تعليقاً