Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة هند لفتى
في مطلع القرن السابع الميلادي، ألّف الأسقف إيسيدور الإشبيلي كتابًا بعنوان تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين حيث تناول فيه، إلى جانب موضوعات أخرى، ملوك الوندال الذين حكموا شمال إفريقيا. وتنبع أهمية هذا المؤلَّف من كونه، خلافًا لغيره من المصادر التاريخية، لا يتخذ موقفًا عدائيًّا اتجاه الوندال.

وُلِدَ إيسيدور الإشبيلي نحو سنة 560م في قرطاجنة (قرطاج الجديدة قديمًا)، في أسرة ثرية ذات نفوذ في إسبانيا الرومانية. وقد اضطلعت أسرته بدور مهم في المناورات السياسية والدينية التي أفضت إلى انتقال ملوك القوط الغربيين في إسبانيا من المذهب الآريوسي إلى المذهب الكاثوليكي؛ حيث كان أخوه الأكبر لياندر أسقفا على إشبيلية حين اعتنق الملك ريكارد المسيحية الكاثوليكية سنة 589م.
وفي نحو سنة 600م، خلف إيسيدور أخاه في أسقفية إشبيلية. وخلال مدة أسقفيته، أشرف على تجديد التعليم الشعبي بمدينة إشبيلية، فتحولت المدينة إلى مركز ثقافي ذي تأثير في إسبانيا. كما عرَّف أبناء وطنه على أرسطو وأفكاره قبل عدة قرون من العرب.

ألَّف إيسيدور الإشبيلي العديد من الكتب. ويُعدّ مؤلَّفه الأشهر، الإتيمولوجيا، موسوعة تضم مجمل المعارف في عصره: حيث يركز في المقام الأول على أصول الكلمات، لكنه يتناول كذلك موضوعات متنوعة مثل النحو والرياضيات وعلم الفلك والطب والقانون واللاهوت، وما إلى ذلك. فلو لم يتضمن هذا الكتاب اقتباسات من العديد من مؤلفات العصر الكلاسيكي القديم لضاعت كلها. ولذلك يُنظر إلى إيسيدور الإشبيلي على أنه آخر كبار علماء العصر القديم.

ومن مؤلَّفات إيسيدور الإشبيلي كتاب تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين، وهو كتاب تاريخي حول الممالك الجرمانية التي خلفت الرومان في أوروبا الغربية وشمال إفريقيا، حيث خصَّص جزءا كبيرا من الكتاب حول القوط الغربيين في اسبانيا، موطنه. كما سعيَ إيسيدور إلى أن يبين أنهم جزء لا يتجزأ من الحضارة الأوروبية وحضارة شمال إفريقيا وليس غزاة أجانب. ومع أن الكاتب كان معاديا لعقيدتهم الآريوسية، فقد رأى في اعتناقهم للمسيحية الكاثوليكية الخطوةَ اللازمة ليتبوؤوا مكانتهم المشروعة بوصفهم ورثةَ الرومان في المنطقة.
أما الجزء المتعلق بملوك الوندال في قرطاج، فهو قصير إلى حدٍّ كبير، ومستوحى من تاريخ فيكتور التونوني. ومع ذلك، يظل هذا الجزء ذا أهمية، إذ يُعدّ المصدر التاريخي الوحيد عن الوندال الذي لا يتخذ منهم موقفًا عدائيًا؛ فبينما يصوّرهم المؤرخون الرومان الأقدمون غزاةً عنيفين، يكتب إيسيدور الإشبيلي بتحفظ أكثر عن غزوهم لشمال إفريقيا وعن حكم كل من ملوكهم.
بالإضافة إلى الوندال، تطرق الكاتب كذلك إلى العديد من الغارات التي شنّها القوط على شمال إفريقيا، وهي وقائع نسيها معظم مؤرخي المنطقة.
لقراءة كتاب إيسيدور الإشبيلي على هذه الصفحة. هنا يبدأ الجزء الخاص بالوندال.

رأي واحد حول “إيسيدور الإشبيلي ووندال شمال إفريقيا”